Tuesday, January 31, 2006

نقلاً عن البحيري


في لحظة خاطفة، رأيت صباح اليوم الضؤ الأبيض و الفراشات الصفراء تحلق باتجاه السماء تضربها الريح بقوة فترتد للأرض، و تحت قدمى كان هناك مذبحة كَاملة من أجنحةِ الفراشات و أعضائها الممزقة متمدد على الأرض حينها دون تفسير منطقي تصادف كل هذا مع قرائتى لكتاب (( مشى الأيام و سيرة الأنام )) لجابر البحيرى ، و هو أهم مؤرخى الامبروطورية في العصر السلطانى و قد شهد و سجل بنفسه دخول القوات السلجنيه الى بلادنا و انتهاء العصر السلطانى .. يقول البحيرى :


(( حدث أن دخل احد شعراء الأرصفة على مولانا السلطان فانتصب شامخا و قال شعرا جارحا اغضب مولانا فأمر به ، فزج للسجن فقضي فيها سبعة اشهر على ضؤ مصباح باهت في زنزانة بصحبة ثلاثه من الجهال .. انعزل في الشهر الأول عن صحبة اقرانة ، و في الشهر الثانى جلس صامتا لا يكلم احد ، و في الثالث و قف في النافذة يراقب حركة الشمس ، يتبعها القمر ، في الرابع طلب قلم و مجموعة من الأوراق و بطول اربعة اشهر كاملة جلس يكتب تأملاته و خواطرة و هواجس تأتيه في الليل ،و قبل الافراج عنه بيوم حلم بقصيدة مجنحة و مزينها بنور و بهاء كالشمس ، فاستقيظ و احرق كل ما كتبه على مدار اربعة اشهر.. و حين استدعاه السلطان و قف شامخا و قال:
مولاى كلنا تروس في عجلة النظام ، الأرض تدور ، و انت تدور ، و أنا ادور ، و دورانى أن اصرخ في وجهك ثم القى قصيدة قاسية تطاول فيها على مولانا ، فأمر به الى المقصلة ، فطارت رقبته ))



Wednesday, November 02, 2005

التاريخ المقدس, أو قصة المانجا و النيرفانا

في ذلك الزمان كانت النيرفانا لا تزال منتصبة مثلما هى الآن ، لم يعرف أحد من بذر بذرتها أو دعم أغصانها ، و لم يذكر أحدهم أى قصة عن وقت كانت فيه النيرفانا شجيرة أو غصن أخضر . حتى في ذلك الزمن البعيد الكل كان يتذكرها كما هى الآن جذع ضخم يتجاوز محيطة العشرين متراً و تسكنه حيات مقدسة و حشرات مفصلية و كائنات رخوية و في بعض الشقوق هناك أسماك صغيرة من نوع البساريا و التونة تهاجر في الشتاء نحو أغصانها العالية و التي تغطى دائرة نصف قطرها غير ثابت الطول ، فأحيناً يقولون أنه 25 متر و أحياناً 25 كيلو متر أما أدونيس عالم الرياضيات العظيم فقد حاول أكثر من مرة قياس نصف قطر دائرة ظلها ، لكن انتهى الأمر بأن فقد عقله و خضع لعلاج في أحدى المصحات خرج بعدها و قد ابتكر النظرية النسبية العامة .
الوجود المتناهي في القدم لشجرة النيرفانا و الأساطير التي تحيطها من قدرة أوراقها على شفاء الأعمى و زيادة كمية حليب الأبقار و منع تساقط الشعر لا تنبع فقط من مركزها كقلب للعاصمة القديمة للإمبراطورية بل ترجع إلى مكانتها الدينية التي جعلت اسمها اسماً لأعراق الأديان القديمة في ربوع الإمبراطورية ..الديانة النيرفانية .
فلقد رزق جلالة الإمبراطور وقتها ابناً واحداً جميل الهيئة ذكى الملامح، و لأن ما نحكيه أسطورة فلقد قابلت عرافه جلالة الإمبراطور و أخبرته أن سلطان مملكته سيضيع و معه روح ابنه إذا ما عرف الابن بشرور العالم . طبعاً تلك العرافة لم تكن سوى الشيطان متنكراً و قد خدع الآن جلال الإمبراطور الذي انشأ ابنه في حياة مرفهة بعيداً عن كل متاعب و آلام البشر إتباعاً لنصيحة العرافة / الشيطان ...
و لأن ما نحكيه هنا قصة سخيفة أكيد أنكم قرأتم و سمعتم مثلها عشرات القصص ، فقد شاهد ذات اليوم الأمير الصغير مانجا عجوزاً يمشي متكئاً على عصا ، فسأل سائقه ((لما يمشي ذلك الرجل هكذا )) فقال السائق (( انها الشيخوخة ياسيدى )) حينها سأل الأمير مانجا في شرود ((وهل أنا معرض لتلك التي تقول عنها الشيخوخة يا سائقي الطيب ))
-كلنا معرضين لها يا مولاى .. نحن و أنتم و أنا و أنت .

بعدها تكررت نفس القصة مع رجل مريض و مع أخر كان يحرق جثمانه و قد مات و في كل المرات كانت الإجابة واحدة:
-كلنا معرضين لها يا مولاى .. نحن و أنتم و أنا و أنت .
الشيخوخة- المرض- الموت

ما الذي يحتاجه المرء ليتأمله أكثر من ذلك ليعتبره الآخرون حكيماً؟
لذا ككل القديسين اعتزل الحاج –اسم النبي حارسه- مانجا في قصره لمدة أربع أيام و في رواية أربعة سنين و قيل أربعين سنة .. خرج بعدها حليق الرأس ليس عليه سوى ذلك الرداء الأبيض الخشن ، يسير حافي القدمين محاطاً بمهابة هؤلاء الرجال الذين يأتون للمهام العظيمة فطاف في شوارع العاصمة القديمة حتى وصل للسوق و تجاوزها حتى بلغ شجرة النيرفانا ، تسلق أحدى أغصانها و مد زراعيه للمنتهى بينما أسفل منها جلس مئات الناس في صمت تام مشدوهين الأبصار حتى نطق فتكلم :
((الكل زال ، الكل زائل ، ما من حقيقة سوى ما اتلوه لكم ..
-هناك معناه .
-للمعاناة أسبابها.
-المعاناة يمكن القضاء عليها من خلال التخلص من أسبابها .
-السبيل إلى القضاء علي أسباب المعاناة هو إتباع الطريق الوسط ، الذي يشكل الطريق ذو الشعاب الست عشر
))
و هكذا ولدت الديانة النيرفانية على يد الأمير الحكيم القديس مانجا ، الذي سيصبح بعد ذلك الإله المقدس مانجا ، بينما تصبح النيرفانا هى الشجرة المقدسة التي وهبته الحكمة و الألوهية ، و سيأتي بعد ذلك و إلى الآن عشرات البشر لشجرة النيرفانا و يتبركون بأوراقها و يقبلون التربة التي تغطى جذورها .

رائعة هى الأساطير ، لكنها ليست سوى أكاذيب فالأمير صار إمبراطور زور التاريخ و جعل نفسه إلهاً و قديساً و نبياً و صنع من شجرة عتيقة أسطورة متجددة و ضمن ولاء سكان الإمبراطورية لعشرات السنين ، هذه هى الحقيقة المحفوظة هنا في الوثائق السرية لدار الحكمة و التى لا يعرفها أحد سوى أنا و أنت يا من تقرأ الآن.

Saturday, August 13, 2005

رسالة في الكبرياء

عزيزي السيد / طوربارا ،
لقد وصلتني رسالتك الأخيرة على عنوان عملي في المكتبة وهو ما لا أدرى له سبباً واضحاً ، صحيح أن منصبي و وضعي الآن يحميني من تَدخل الطُفيليين في شئوني أو محَاولاتهم التجسس على مراسلاتي لكنى لا أرى سَبباً لتَغيرك لعنوانِ مُراسلتي على العَملِ بعد أن كانت رسَائلك تَصل على عنوانِ المَنزلِ ..
في كل الأحوال أتمني أن تَصلك رسَالتي تلك هذه المرة على عنوانك الذي خَبرتني به في تلك القرية النَائية على أطراف تلك البلاد البَعيدة و ألا يتغير عنوانك قبل وصول رسَالتي ، على أمل أن يَصلني ردك على عنوانِ منزلي الذي تعرفه جيداً.

تَسأل إذاً عن البطةِ الرَشيقة و أقول لك أنها بخير حال هادئة لا تُثير الصخب ، و ترفض أي اسم أطلقه عليها وتُصر على اسم (( روشر)) المَكتوب في بطَاقتها الصحية تظن أنه اسمها الحَقيقة و تَرفض تغيريه لكنها لا تعرف أنه ليس سوى مُجرد اسم الفصيلة التى تنتمي إليها ، بخلاف ذلك فهي مُطيعة لأقسى دَرجة فقط أضع لها الطعَام و المَاء في وعَاءٍ جنب مكتبي ، و حين أذهبُ للنوم أو أتمشي في الشقةِ تَظل تتبعني و هي تَتَبختر بأردافِها مُصدرة ذلك الصوت بحراشيف قدميها الساقطة على بلاط الشقة تك .. توك ، توك .. تك
على كلٍ هي مَلأت عَلىّ فراغ المَنزل خُصوصاً بعد اعتزال أمينة خَادمتي العمل ، العجوز كبرت في السنِ و تَقول أن المرض جعلها غير صَالحة للاستخدَام في مهنةِ كتلك لكن الحَقيقة أن الأمر ليس له علاقة بالكبرِ أو المرضِ ، الحدوتة أن زوج ابنتها الذي كان يَعمل كَاتباً في المحكمةِ و يرَاسل عدد من الصُحف قد عين صَحفياً في جريدةِ الشرق الرسمية و لم يعد من اللائق أن تعمل حمَاته في تَنظيف البيوت و مَسح عتبات المنزل و السلالم .. هؤلاء هم البشر يا عزيزي كما تعلم ، و هكذا كان و لا يزال الكبريَاء...
أنا الآن أنظف الشقة بنفسي حتى أتمكن من الحصول على خَادمةِ أخري.

سَمعت أنهم يشددون الرقَابة على الرسَائل لذا لن أحكى عن أحوال العبَاد و الإمبراطورية ، لكنى شغوف جداً بمعرفة تفَاصيل أكثر عن تلك القرية التى تحكى عنها ، اكتب لي و أخبرني لماذا يُمنع الأطفَال من الحديث هناك قبل الثَانية عشر؟
و لماذا قَررت المكوث فيها تلك المدة الطويلة التى حددتها في خطَابك الأخير؟
بصراحة لم أقتنع بعبارة (( فيها شيء من ماضي طفولتي )) !!


لا تخدعني ثَانية طوربارا ، نحن معاً تجَاوزنا تلك التفسيرات الشعرية و المجَازية للحياة ، إذا كنت أحببت تلك القرية فلماذا لا تقول ذلك بمنتهى البسَاطة ، لماذا تطوف حول الكلمَات خَائفاً من أشواكها على صورتك كحكيم يعرف كل شيء ؟!


لا تصف لي مَجموعة من الفلاحين و مباني من دورين و ترعة ملوثة بأن فيها شيء من طفولتك أنت يا من تربيت في مدينةِ الرغبة و الحب و الخيول الطَائرة ، لن يؤثر قناع الحكمة الذي ترتديه على نظرتي لك ، فكن صادقاً معي ،ففي القريةِ الفقيرة التى لا يتكلم فيها الأطفال شيء بهرك و زَرع الوله في قلبك أنتَ يا من تتدعي إدرَاكك كل شيء .


رامبرنت و إبراهيم الطوبجى سافروا للراحة في جزيرة في المحيط الشرقي و تشيخوف يرسل لك بتحياته و كل الصحبة .


صديقك الدائم
أدوسيوس نوار الناجى

Saturday, July 02, 2005

عن أذن أدوسيوس الصغير



اذكر هذه الذكرى ليس بدافع الحنين و لا التماس التعزية أو الشفقة على ما مضى ، بل مجرد خاطرة وردتني اليوم أثناء عملي على تصنيف الكتب الجديدة التي وردت للمكتبة حيث وجدت من ضمنها كتاب عن حياة و أعمال موسيقار إمبراطوريتنا العظيم – هم الذين يعتبرونه كذلك – جون بودلير.

عائلة أمي كلها كانت عائلة موسيقية جدي كان عازف كمان و خالتي كانت لاعبة بيانو تولت في فترة إدارة دار الأوبرا الوطنية أم الخال فقد كان نافخ في عدد من آلات النفخ و الأبواق التي فشلت دائماً في حفظ أسمائها ، العائلة كلها أيضاُ دون تفاصيل كثيرة كانت تنهال عليها الجوائز الموسيقية و الفخرية باستمرار ، أمي كانت أكثرهم خجلاً و أقلهم موهبة ، و في محاولة من قبل الخال لإنقاذي من المصير البائس لابن طبيب جراح و عازفة فاشلة سألني يوماً " ما هي الآلة التى تحب العزف عليها يا ولد ؟!" فأجبت بتلقائية " الجيتار الالكترونى ". حينها تغير وجه الخال نافخ الأبواق و ارتعب و أخذ يدى نحو المكتبة الموسيقية لأجلس لأكثر من ثلاث ساعات استمع في ملل و ضجر مؤذى للحواس لسيمفونيات و سوناتات طويلة و قصيرة حتى أوشكت على البكاء
بعدها كرهت أذني الموسيقى الكلاسيكية للأبد .

Friday, June 17, 2005

هذه قصة الأمير فاوست



نَقصُ الحقَائق و نَختصر التفَاصيل ، فالملك مات مقتولاً ضحية مؤامرة دبرها الأخ و تعاونت معه الزوجة و عَاد الأمير الشَاب من الخَارجِ ليجد الأمَ قد صارت زوجة للملك الجديد و الأخ القَاتل ، ظَهر شبح الأبِ للابن و خَبره بالحقيقةِ ، فَكر الأمير في الانتقام لكن ثقل الذنب و فداحة الجرم شلهُ ، نَشبت الحيرةُ مخالبها في صدره و هجره النوم ، كاد عَذاب النفسِ يفتك به .
هل يقتل عمه و أمه التى حملته في بطنها تسعة أشهر ، أم يظل هَارباً من شبحِ والده الذى يطارده مُطالباً بالثأر من أجل الدم و العرش ، كان الشبح لا يتوقف كل لحظة عن الاقتراب من أذنه و الهمس مُنشداًً :
(( لم أكن غَازياً
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدي لثمار الكروم
أرض بستانهم لم أطأ

لم يصح قاتلي بي : (( انتبه )) !
كان يمشى معي ..
ثم صافحني ..
ثم سار قليلاً
و لكنه في الغصونِ اختبأ
))
بهذا الأغنية كان الأمير يَحفر مَشهد مقتل الأب في عقله ، بهذا الأغنية كان الشبح يستثير كرامة الابن و غضب الأمير ليثأر للملك و الدم الذى سُفح هدراً .

حَاصرت الأشباحُ الأمير و هَاجمته الحمى ، فهرب متسللاً خارج القصر تحت ستار الليل ، قَال (( قلبي تنهشه الذئاب ، و فراشي تنجسه أمي ، و طعامي يسممه عمى .. ليس لي حياة هاهنا ))

لكن الألم ظل يصاحبه ، و الأشباح لا تتوقف عن زيارتها ، و في الليل كان يرى أمه عَارية تُرضع القَاتل من ثديها ، قَال (( أنى مريض ، هروبي من الماضي و قلقي من الحياة سيأكل روحي ، لأمشى بحثاً عن دوائي ))
دلوه على صيدلياً يُتقن فن الكيمياءِ و عنده لكل داء دواء يسكنُ في مغارةِ على مشَارف الصحراءِ ، ذَهب للصيدلي فوجده قد فقد اتزانه و أشيب شعره و سَال اللعب من فمه و لم يعد يعي من الدنيا شئ سوى عناصره و لا يبغى هدف سوى الوصول إلى حجر الفلاسفة الذى به يملك الذهب ، تركه الأمير و سأل خَادم الصيدلي أين أجد دواء لدائي ، فقال الخادم في وجل :
-لقد جُن سيدي و فقد قلبه و عقله معاً لكن اتبع الشمس في غروبها حتى تصل إلى عرافٍ يسكن جزيرة تقع في أخر البحر حيث هناك تغرق الشمس كل يوم في المياه .

خرج للبرية و مشى يتبع الشمس في رحلة غروبها ، خاض مغامرات و عبر أهوال و وديان و جبال و في النهاية ركب البحر طَالباً العراف حتى وصل إليه ، مُنهكاً تُغطية قشرة رقيقة من أملاح البحر و رمَاله ، قَال للعرافِ :
-يا سيدي لقد أنهكني الألم و شقت على صدري حيرتي و عارى ، أريد أن اخلع عن نفسي ذلك القلب أن أقضى حياتي خالي البال متمدداً في كسلي بل أى أحساس يثقل صدري أو يسبب الاضطراب لعقلي .
"الجسد مصدر الشرور و الرغبات و الأمر هين أعطني جسدك فقط و أنا أريحك من عناء الماضي و الحاضر و أمنحك حياة خالدة اجعلها لك برداً و سلام" قَال العرافُ و خَلع عَباءته فكان الشيطان يجلس على عرشٍ تُظلله الشمس و القمر و عرف الأمير أنه هنا قد وصل لخطٍ لا عودة منه ، فغمس رأسه في مياه المطهر ، و بالخنجر الفضي سفح قطرات من دمه على المذبح ، ضَمد له الشيطان جرحه و فرد أمَامه ذراعيه في اليمين الشمس و في اليسار القمر و همس في أذنه "حققت وعدى فأعطني أمانتي "
فتح الأمير عينه فكان قلبه صافياً كقطرةِ مطر ، و روحه خفيفة كإله صغير و عيناي الشيطان تحدق فيه .


أغمض الشيطان عينيه فكان الظلام ، و حين فَتح الأمير عينيه ، كان يجلس فوق عرش حَجري مُغطى بالذهب في مدينةِ ذَهبية لا يُدركها البشر ، كان جَسده هشاً و بالأحرى غير موجود ، أخذ الشيطان جسده و خرج ، و تركه كيان يملك كل شئ و لا يملك أى شئ . تحيطه الثروة من كل جانب لكنه ليست في قبضته ، يرحل في الزمانِ و المكَانِ و يُسَافر هناك و يسير من هنا ، لكن فقد بقلبه كما الملائكة ، لا يُكلم و لا يتكلم ، يرى البشر و لا يراه أحد ، و حيداً يتدثر بحزنه فوق عرشه في مدينة الذهب .


و في يومٍ ، مر بجوار النبع فشاهد الراهبة تتحرر من ملابسها و تغطس في مياه الجدول ، بيضاء صافيه كما اللؤلؤة ، كانت الراهبة قد و هبت قلبها للرب ، فوهبها عين زرقاء كما السماء ترى بها ما لا يره غيره ، و أراد ربك أن يقضى أمر كان مفعولا ، فلما لمحته غطت عريها و سألته دون وجل " ماذا تفعل أيها الحزين فاوست ؟!" .
نقص الحقائق و نختصر التفاصيل ، كان العشق قطعة من قلب الشمس ، أحرقت قلب الحزين فاوست ، و جلست الراهبة ما بقي من عمرها في انتظاره ، لأجل هذا يزين لكم الشيطان الشهوات ، لكنه لا يمنح السكينة.


Sunday, May 29, 2005

حُـــلــم


بالأمس استيقظت مبللاً سروالي ، تحسست اللزوجة و تعجبت لأمري ، حاولت تذكر أى شئ مما حلمت به لكنى فشلت .
شربت القهوة و تناولت الفطور مبكراً كما تعودت ، ثم خرجت متجهاً إلى المكتبة حيث مقر عملى ، في الطريق مررت بحديقة صغيرة ذات مقاعد خشبية نٌقش عليها زهور و أغصان صغيرة فجلست أتأمل البشر في حركتهم الخاملة تحت ظل شروق الشمس ، أخرجت سيجارة و أخرجت الدخان من فمي ، حينها أغمضت عيني فرأيت شريط حياتي يمر في أقل من اللحظة لأرى نفسي طفلاً فصبياً فشاب يخرج لاستكشاف العالم بصحبة طوربارا فأميناً في مكتبة دار الحكمة ، فمطلع على الأسرار العشرة و ها أنا عجوز يجلس في حديقة مقفرة على كرسى خشبي مُحلي بنقوش بارزة من الزهور و الأغصان أمضغ الحياة ببطيء يناسب حكيم مثلي يحمل لقب كبير أمناء مكتبة دار الحكمة .

Thursday, May 26, 2005

كيف خرج طوربارا في طلب الحكمة؟


في ذلك العصر كان البَشر يسَافرون على أبسطةِ سِحرية تُحلق في الهواء ، و يَمتطون أحصنةَ مُجنحةَ تَتعدد ألوانها بين الأبيض و الأحمر ، و طوربارا صبي يَافع نَبتت لحيته منذ يومين ، يُحب امرأتين واحده شَابة في هشَاشةِ زهرة تَخطو في الرَابعة عَشر من عمرها و الأخرى سَيدة تَحترقُ بوهجِ الثَانية و الثلاثين .
في الصبية كان الطُهر و البَراءة مُجَسداً في وجهها الرَهيف الذى نَحلهُ العشقُ ، و في السيدة كانت عَربة الرغبة تَجرها خيول مُتَوحشة و بَاب الجَنة مَفتوحاً على مصرعيه لاستقبَال الفتى الذى نَضجت لحيتهُ مُنذ يومين .

ظل طوربارا طَويلاً غَارقاً في الحيرة ، عَاجزاً عن الاختيَار بين القلبين مُتردداً أيهما يَخسر ، في النهَاية خَرج من المَدينة هَارباً من حيرة الحبِ ، عَبر ثلاثة أنهارَ و سبعة قُري صغيرة وَاحده منهن كانت مُصَابة بالطَاعون ، ثُم دَخل في أحدى صباحات السبت غَابة كثيفة الأشجار ، تَحجب أغصانها المُورقة الشمس ، هَبط عليه الليلُ و الضبابُ ، تَاه في الغَابة ، و دون أن يدرى وَجد نفسهُ في حفرةِ عَميقةِ ، فَخ نَصبه أحد الصيَادين لاصطياد الدَببة ، عند الفجر ، أنقذه قرد تصفه قَبيلته بالحمقِ من الفخِ و دَلهُ على طريقِ الخروجِ من الغابةِ فَصار عَكس اتجاه غرُوب الشمس يَتبع العلامات التى دله عليها القرد ، و يَقتفى أثر أزهَار البنفسج الصغيرة ، قَابل في الطريق رجل طويل الأظافر شعره أسود و يدعى جون يقف رافعاً يده للسماء ، ظنه ينتظر المطر لكن لم يلتفت إليه أكمل طريقة حتى وصل لنهاية الغَابة فَوجد هَضبة صغيرة تَنتصب عليها أسوار قلعة من الذهبِ الخَالصِ .

بَهرهُ الذَهبُ بضوئه الأصفر فَتقدم مَسحُوراً حتى وَصل إلى البوَابةِ فَوجدها مَفتُوحة بلا حرس ، تَعجب ، لكنه أكمل طريقه كل شئ في الدَاخل من الذهب ، البيوت ، الشَوارع ، الأشجَار ، العربات ، الزهور ، عَواميد الإنَارة ، أسلاك الكَهرباء ، غُبَار الأرضِ ، أسَوار الحَدائق ، كُل شئ من الذَهب لكن بلا بشر ، بَحث عن المَاء ، فلم يجد أثر للحيَاة ، أبصر قَصراً فخيم عظيم الهيئة و المعمار يَنتصب عَالياً فَتقدم نحوه ، دخل من بَابِ الحديقة ذات النجيل و الأشجَار الذهبية إلى بابِ القصرِ الخَشبي المُطَعم بسبعةِ حجَارة ضخَام من الزُمرد و العَقيق ، صَعد بَعدهُ سَبع و سبعين درجة ، ثم دَلف لقَاعة دائرية عَظيمة الأركان جَلس في صدرها شَاب لطيف الملامح يجلس على العرشِ ، سأله عن مُبتغاة فَرد عليه قائلاً (( أنه جاء يبَحث عن السكينة ، هارباً من خيارات الحياة المتعددة و قلقها )) .
كان الأمير عَرضه صريحاً و واضحاً كنصلِ السيفِ :
-خُذ مُلكي واجلس على العرش حَارساً مَدينتي ، لا يُصيبك المَرض و لا الجوع أو العطش و لا الهرم أو الموت ، خَالداً تتأمل الحياة كخيالِ الظل بلا القلق ، و كل ما تلمسه يدك يصير من الذهبِ .

قَال لنفسه (( هذا ما كنا نَبغي )) و جَلس على الْعرشِ بينما خرج الأمير الّشَاب (( فاوست )) يبحثُ عن عذراء تَسكن أحد أديرة الجنوب .

مَرت عليه في جلسته قرون طَويلة صَامتة كان حياً لكن لم يكن ليشعر إلا أن هذا كان ما هو قد اختاره حتى الملل لم يكن ليدركه وهو على حَالته تلك ، أغمض جفنيه و حين رفعهما في تثاقل المُطمئن كانت أصوَات صرخَات عَظيمة تَصم الآذان تخترقه من كل جَانب ، نَظر من النَافذةِ فَشَاهد أمواج المُحيط تُغرق كل شئ و تتقدم بقوة في اتجَاه مدينته ، صَعد إلى أعلى قمة تَعصمهُ من المياهِ و وقف على قبةِ القصر .
كانت أسَوار المدينة قد كَسرت من عنفوان الموج ، لكن المطر يهطل بغزارة و الأرض تفيض بالمَاءِ من كل شق ، و البحر مُحيط من كل صَوب . رَمى بصره فلم يلمح سوى نقطة سوداء تُصارع المُوج في أخر حدود البصر ، و حين أغرقت الميَاه كل شئ و وصلت لركبتيه ، كانت السّفينة تَتقدم نحوه ، سَبح في مياهِ البحر السودَاءِ و رَمى القبطَان له بحبلِ ، و من على سَطح السفينةِ شَاهد مَدينته الذَهبية و قد اختفت تحت المَوج فقَال له القبطَان الحَكيم :
-كُل شئ قد مضى و لم يبق إلا الله
فَسجد شَاكراً و دخل لصومعة في السفينة حيث ظل أربعين يوماً و ليلة يَتعبد للواحد الأحد.

و حين رست السفينةُ على الجودي ، سَمع صوتاً يُحَادثه
" هذا أمْرنا ، لنجعلك عَبرة لمن غوى ، فَاخرج لا مسَاس و لا تَثريب عَليك و اطلب الله في الأرضِ و حَدث الناسَ بالحكمةِ الحسنةِ ، خُض التجربةَ و اطلب العون من الله "
فَخرج ......